»ألقوا بالمستحيل في الصحراء يلتقطوه شباب الوادي ليصنعوا منه المعجزات«
الصورة: السعيد حند
03 نيسان 2021 ربورتاج: فهيمة بن عكروف
ربورتاج: فهيمة بن عكروف
1995

»ألقوا بالمستحيل في الصحراء يلتقطوه شباب الوادي ليصنعوا منه المعجزات«

تمكنوا من صنع التميز في كل المجالات، الفلاحة ثم الصناعة فالسياحة، شباب ولاية الودي يرفعوا التحديات بمجابهة كل العراقيل لصناعة ثورة حقيقية وطنيا وعالميا، ليكونوا القاطر التي تقود قطار التنمية في الجزائر وقدوة لكل شباب الجزائر، بدايتهم كانت بتحدي المناخ الصعب والأرض الصحراوية التي كانت توصف بالقاحلة ليحولها ابناؤها إلى جنة، حيث أصبحت تموين السوق الوطنية لتحقق الاكتفاء الذاتي، تغمر السوق الوطنية بخيراتها، وتتوجه إلى الصناعة التحويلة ثم فتح أبواب التصدير للأسواق العالمية، لم يكتفي شباب هذه الولاية عند هذا الحد بل اقتحموا المجال السياحي بتحويلها في ظرف ثلاثة أشهر إلى أفضل وجهة سياحية في الجنوب بعدما كان اسمها غائب تاما سياحيا، وهم عازمون الآن على تحويلها إلى وجهة عالمية مستقبلا، فرغم الدعم الغائب والإمكانيات القليلة إلا أنهم ثاروا على الظروف وحققوا المستحيل، وهنا يصح القول: "ألقوا بالمستحيل في الصحراء يلتقطوه شباب الوادي ليصنعوا منه المعجزات«.


خلال الرحلات التي قادتنا إلى ولاية الوادي رغم اختلاف سببها، سواءً معارض، ندوات فكرية أو رحلات سياحية، كان المتفق عليهم أن شباب هذه الولاية يعملون بتفاني في كل المجالات، يشعرك لقاؤهم أنهم حقا يقدسوا العمل، ويعشون في يومياتهم حديث النبي عليه الصلاة والسلام "العمل عبادة«، ركزنا في عملنا أكثر على القطاع السياحي كوننا الاحتكاك المباشر معاهم كان في القطاع السياحي، فيشهد لهم أنهم عازمون على النهوض بهذا القطاع قريبا، اذ تجدهم كخلية نحل ساهرة على راح السائح رغم العراقيل التي كانت تصادفهم في أغلب الأوقات إلا أنهم تجدهم دائما يبحثون عن حلول حسب إمكانيتهم المتوفرة.

كشف المرشد السياحي محمد ربيحة عن أن تطور المنتوج السياحي بولاية الوادي جاء على شكل تحدي رفعه شباب الولاية الذين رفعوا تحديات في مجالات أخرى ونجحوا، مؤكدا على عزمهم الكبير على رفع الغبار على القطاع السياحي الذي طالته السنين برفع شعار "الوادي أفضل وجهة سياحية« قائلا: "نحن كأبناء هذه المنطقة أردنا النهوض بها كمنطقة سياحية، كونها تزخر بخيرات طبيعة رائعة تسحر الزوار وكل ما عملنا عليه هو تنظيم السفاري في عمق الصحراء مرورا بعدة مناطق أثرية تزخر بها الولاية«.

 أكد محمد أن علاقته بالسائح رائعة جدا، حيث يبدأ برنامجه المسطر والمدروس مع السواح باستقبالهم صباحا في فناء الفندق وتقديم هدية "الشاش«، التي تعتبر هدية تعبر عن البيئة الصحراوية، حيث ثم تنطلق الرحلة لزيارة أهم الأماكن الأثرية التي تزخر بها الولاية على غرار منطقة "ورماس« التي تعتبر منطقة غنية بالموروث الثقافي إذ نجد بها "الغوط«، "الحوش«  وبيوت سكان السوفين قديما مصنوعة بالطين ممزوج بالرمل مازالت تقاوم العوامل الطبيعة شامخة تقص قصة صمودها لكل سائح.

بعد الاستراحة في المناطق الأثرية، تنطلق الرحلة إلى "لمراح «أي الخيم العملاقة التي نصبها الشباب بأيديهم في عمق الصحراء، ويؤكد محمد أنها تعبر تعبر عن الهدوء والعادات الراسخة في ثقافة المواطن السوفي، حيث لا  يمكن للسوفين تفويت فرصة عطلة نهاية السنة دون التوجه لتنصيب خيم في الصحراء للاسترخاء والهدوء، حيث تقدم في نقدم مأكولات تقليدية على غرار "الشخشوخة«،  "طعام«، "ميناما« و"الملة« ثم تقام سهرة فنية على شرف السائح تحت النجوم وسمر حول النار.

"أفضل نجاح لنا هو قضاؤنا على فكرة" واش فيها الوادي سياحيا««

اعتبر محمد استقطاب 6 ألاف سائح في فترة لا تتجاوز ستة أشهر نجاحنا يجب أن يتواصل ويتضاعف في المواسم السياحية القادمة، قائلا:" نفخر كشباب الولاية  تمكنا من إنجاح الموسم الصحراوي رغم الظروف الصعبة والدعم الغائب من المعنيين في المجال على المستوى الولائي والوطني ولكنه نجاح مبني أساسا على الإصرار والتحدي من أجل الوصول فقبل سنوات قليلة كنا نسمع جملة " واش فيها الوادي سياحيا« وأفضل نجاح هو القضاء على هذه الفكرة«، كما وجه المتحدث رسالة إلى كل شباب الولايات الوطن، "وهي رسالة لكل الشباب الجزائر، علية أن يسخر كل الإمكانيات المتوفر من أجل كسب غير المتوفر من أجل النهوض بمنطقته، تعبنا من الانتظار الدعم من السلطات الذي ضيع علينا سنين من أعمارنا في الانتظار، اليوم يجب أن يحاول كل واحد حسب إمكانياته للنهوض بالمناطق التي يسكن فيها لأن الجزائر غنية كل الغني بشابها، وما نجاح شباب الوادي إلا دليل على أن الصعب يذاب أمام الإرادة الحقيقية«.

"تعدى عدد السواح 6 ألاف سائح في فترة لا تتجاوز الثلاث أشهر«

رغما ما حققه شباب الولاية من نجاحات في عدة مجالات، لم يوقفوا عند أي نجاح طموحهم يشبه نَفس الرجل الصحراوي في مجابهته صعوبة بيئته القاسية،

وهذا ما تحدث عنه بوطيب سفيان، منظم بوكالة "أكاديس ترافل« كاشفا: "وجهنا العديد من التحديات، سواءً من ناحية البيئة القاسية التي تتميز بها الصحراء، فأحيانا نواجه البرودة شديدة وأحيانا نواجه الحرارة الشديدة جدا، هذا جانب من جانب أخر التقاعس والبيروقراطية إذ لم نجد الدعم من السلطات المعنية، كانت بدايتنا من الصفر، فالبداية كانت بخمية واحدة وسيارة واحدة اليوم الحمد لله تمكنا من توسيع المشروع إلى عديد الخيم ووصلنا إلى أكثر من 60 سيارة في الأسبوع وتعدى عدد السواح 6 ألاف سائح في فترة لا تتجاوز الثلاث أشهر، وكل من جاء إلى الوادي عاد مرة أخرى وهذا دليل على الانجاز الكبير لأبناء الولاية وحبهم لأرضهم الطيبة«.

عرج سفيان، خلال لقاءنا معه إلى الأهداف المسطرة المتمثلة بدرجة أولى في تقدم منتوج سياحي يفوق التخيل الذي رسمه السائح في ذهنه، عملنا على نقطة الإبهار في البرنامج وهي النقطة التي تركز عليها كبرى الوكالات السياحية في العالم، وأعتقد هو ما جعل السائح الذي قدم في عطلة الشتاء للعودة في عطلتي الخريف والربيع، فالتنظيم المحكم والاهتمام بالتفاصيل التي تريح السائح ساهم في الترويج للبرامج التي نقدمها للسائح في عديد الخرجات، كما ركزنا على التنويع حيث لم نتوقف على برنامج واحد، رغم التحديات التي كانت تحول بين تقديم العديد من الأفكار.

كما أكد المتحدث أنهم يطمحون دائما للأحسن ويحاولون تطوير المجال السياحي المواسم القادمة،وضاف قائلا: " نتلقى عدة اتصالات من طرف سواح أجانب بعدة مشاهدة البرنامج الذي نقدمه في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بغية الاكتشاف وعيش مغامرة السفاري وصحاري الوادي، لكن الظروف الصحية وأزمة "كورونا« العالمية هي حالت دوت استقطاب سواح أجانب ونتمنى أن تفتح الحدود قريبا وتعود المياه إلى مجاريها«.

 الحلم مستنبط من كرم الأجداد.. تتواصل المسيرة على اختلاف الأزمان

حلم شباب الوادي الذي تحقق بتحويل الولاية إلى وجه سياحية مفضلة لدى العائلات الجزائرية مستنبط من كرم الأجداد بالولاية حيث انتهج الشاب السوفي نهج أجداده الذين عملوا بجد من أجل العيش التفوق على صعوبة هذه البيئة، وهو ما أكده من موسى دامو صاحب وكالة "أكاديس ترافل«  حيث عاد بنا إلى أصل فكرة التأسيس لوكالة خاصة بالسياحة بالولاية التي تأسست سواعد الشباب الولاية والتي أرجعها أساسا إلى الجد، قائلا: " كان الجد يستضيف بعض الأصدقاء هنا في الولاية ومنها تم توارث هذه العادة أبا عن جد، ومنها جاءت الفكرة كنتيجة لاستضافة بعض الأصدقاء والمعارف، وتطور النشاط مع تزايد عدد الوفود إلى أن تحول إلى تسطير برامج تجوال وتفسح للأصدقاء وعائلاتهم القادمين من مناطق الشمال وبلدان أجنبية إلى أعماق الصحراء، نبرز لهم فيها أهم الأطباق والعادات الصحراوية، حياة البدو والرحل في المنطقة، وتطورت شيئاً فشيئاً لنصل في الوقت الراهن إلى إنشاء وكالة "أكاديس ترافل« للأسفار والسياحة«.

أما بنسبة لتجسيد فكرة "سفاري« أكد متحدثنا أنه الأمر لم يكون بالسهل ولم يأتي بمحض الصدفة وإنما جاء بعد الاحتكاك المتواصل بشيوخ وأعيان المنطقة، الذين لهم علم كبير بالمنطقة، حيث وقدّموا لنا كافة المعطيات عن الأماكن السياحية والتاريخية والثقافية، منها فندق "ترانزيت« الذي تمت زيارته، منطقة "أم الصحاوين«، "الغوط«، وغيرها من المعالم السياحية والتاريخية العريقة، والتي عملنا على جعلها قبلة للسياح قبلة للسواح من خلال تسطير برامج سياحية لزيارة والتعرف على هذه الأماكن السياحية وكذا بمرافقة مرشد سياحي الذي يقدم كافة المعلومات التاريخية التي تزخر بها الولاية. ويبقى المشكل الذي نواجهه حاليا يكمن في التوقيت، وفي إمكانية تجسيد كافة البرامج المسطرة، لاسيما في حال مواجهتنا مشاكل وعراقيل غير متوقعة.

 وأما بالنسبة إلى تجسيد فكرة "سفاري« على صحاري وادي سوف لم يكن بأمر الهين كما أنه لم يكون مستحيل حيث تزخر الولاية بشاسعة صحاريها وجمال رمالها التي تخطف الأنظار من أول نظرة، من هنا كانت البداية، فالموارد الطبيعية موجودة، الموارد البشرية متوفرة، إذ تم الاعتماد في تجسيد الفكرة على هذين العاملين اللذان يعتبران أساس كل مشروع ناجح، فالنجاح جاء بوضع الثقة وبالاعتماد أساساً على موارد ومهارات جزائرية. من جانب أخر لاحظنا أن السائح يحتاج إلى أماكن للراحة والاسترخاء والاستجمام داخل الصحاري، ومنها قمنا بنصب 05 خيم عملاقة تفي بهذا الغرض، مطعم مجهز ومتكامل يوفر الوجبات التقليدية للمنطقة، بطاقم طباخين ومساعدين محترفين، بالإضافة إلى الفضاءات المرتبطة بها كالمغسل والحمام ومكان خاص للعب وتسلية الأطفال، وذلك حتى يتسنى للسياح أخذ كامل راحتهم خلال المغامرة. بالإضافة إلى ذلك، تم توفير سيارات رباعية الدفع (4*4) للتنقل والتجوال في أعماق الصحاري، الدراجات الهوائية "الكوادر« ليستمع السياح بالتجوال وشق الكثبان الرملية، والإبل لهواة ركوب الجمال، بالإضافة إلى برنامج ثقافي وفني وترفيهي ثري، يتماشى مع احتياجات السياح التوّاقين إلى الترفيه والاستمتاع بالموروث السياحي الصحراوي.

هذا، ويسهر 08 عمّال على عمليات التسيير والتنظيم داخل المخيم، بعدد إجمالي للمستخدمين يتجاوز 15 مستخدم، وذلك من أجل ضمان وتلبية كافة متطلبات واحتياجات الزبائن في أقصر مدة ممكنة. وبالنسبة لمن يعتبرون أن "سفاري دبي« لا يمكن تجسيدها إلاّ هناك، أقول لهم أن "دبي« تجاوزتنا فقط بالفكرة، وبإيمانهم بنجاح مثل هكذا مشاريع سياحية، وبيئتها ليست أفضل من بيئتنا الصحراوية ورمالنا الذهبية الفريدة من نوعها، وسنتمكن في غضون 05 إلى 06 سنوات من تحقيق ما حققته دبي، لكن يبقى على الدولة فقط دعمنا ومساعدتنا في توفير الأمن والمرافقة خلال تلك الخرجات.

في المستهل كان نشاطنا يقتصر على تنظيم خرجات وجولات سياحية لصالح عائلات الأصدقاء والأحبة، ولكن بحلول العام 2017، باستقبالنا عائلة جزائرية مقيمة بالخارج، والتي التمسنا فيها أعجباهم الكبير بالضيافة والبرنامج السياحي المسطّر لها في صحاري واد سوف (المشاوي، خبز اللّمة، الأطباق التقليدية، الشاي..)، قامت بإرسال مجموعة سياح من 20 سائح محلي أجنبي، ومن هنا بدأت الفكرة، لنصل إلى استقبال مجموعة سياح كل أربعة إلى خمسة أيام. وصراحة، واجهنا عراقيل كثيرة في البداية خلال مراحل إنشاء الوكالة السياحية، لاسيما بيروقراطية الإدارة، لكن تشجيعنا من بعض الرجال ومساندتهم لنا، بالإضافة إلى حبنا وشغفنا الكبير بهذه المهنة، جعلنا نتخطى تلك العقبات ونؤسس هذا المشروع بنجاح.

هذا النجاح بدا جليا في تزايد عدد السياح لدى الوكالة، إذ قمنا باستقبال 170 سائح سنة 2018، لينتقل العدد إلى 300 سائح في 2019، ليقفز العدد خلال 2020، وهي فترة تفشي وباء "كورونا« وتداعياته السلبية على كافة النشاطات الاقتصادية والتجارية والخدماتية، إلى أكثر من 300 سائح، في حين قفز العدد الإجمالي للسياح لدى "أكاديس ترافل« إلى أكثر من 600 سائح في ظرف شهر فقط من مطلع العام 2020. وتوحي هذه الأرقام إلى مدى الإقبال المكثف للسياح على وكالتنا، بفعل برامجها الثرية والمغرية، وكذا تسهيلاتها المتاحة أمام العائلات، وهذا نابع أساساً عن رضا وثقة الزبون بخدمات الوكالة، وبالتزاماتها التعاقدية التي تبرز فعلياً وتروّج لصورة وسمعة المؤسسة.

يحق للجزائر أن تفتخر بهذه الولاية التي تعمل على رفع اسم الوطن عالميا في شتى المجالات، والتي تميزت بالعمل والجد والكفاح من أجل تنفرد بالنجاح لسنوات، وكما نتمى أن تعمم قصة الكفاح وطنيا من أجل رفع الغبن على وطننا الذي عايش الوالويلات ولازال يعيشها على اختلافها.

رأيك في الموضوع

التعليقات ملك لصاحبها ولا تخص الجريدة