وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر
نذير بولقرون
447

وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر

كان نشيد " قسما" وهو يخترق الأفاق من ملعب " البيت" بقطر، يعلن للعالم كله: "هنا الجزائر".. الجزائر التي تفوز ب" كأس العرب"، عن جدارة واستحقاق، والتي تنتصر لتاريخها المجيد ومواقفها المبدئية الراسخة، وكلها عزم وتصميم على أن تكون حية في قلوب أبنائها بالانتصارات الكبيرة.

كانت الراية الوطنية، بحمولتها التاريخية، تخفق في العلا، في عز وشموخ، وكانت بألوانها الدالة، ترمز إلى مجموعة قيم تتباهى بها الجزائر وتفخر، إنها تقوم بوظيفة اللغة الناطقة بتاريخ وطن وهوية شعب وأحلام شباب طموح، هكذا تجلت الروح الوطنية في صورة ناصعة، فهي في مواجهة ما يتحداها، ولو كان مباراة في كرة القدم مع أشقاء عرب، إنها على المحك في امتحان مصيري، ليس في الخفاء وإنما أمام العالم كله.

تلك الجماهير التي ساندت منتخب بلادها وفاضت حماسا له وحبا للجزائر، كانت تحمل رسالة تقول: إن الجزائر يجب أن تفرح، أن تنتصر، أن تتطور، أن ترفع التحدي ، أن تقطع خط الرجعة إلى الوراء وأن تتصدى لكل طروحات اليأس والهزيمة والقنوط، التي تريد بعض الأطراف الحاقدة أن تغرسها في أوساط الشباب.    

إنها الجزائر التي عقدت العزم على أن تعود إلى شعبها، تقوى به ويقوى بها. هذا الشعب المتجذر في وطنيته، في حاجة إلى انتصارات يعانقها وتعانقه، في شوق إلى أن يتحدى وينجح، إنه يصبو بحسه الوطني إلى غايات كبيرة يريد أن يبلغها، لها مذاق التفوق الذي حققه في محطات هامة من تاريخه.

ذلك هو الدرس المفيد من مناصرة كل جزائري لأبطال بلاده، وما أجملها من صورة للجزائريين جميعا، وهم ملتفين حول فريقهم، ملتحفين براية وطنهم وعازمين على أن تفوز الجزائر.. كل هذه الجموع الحاشدة تتطلع إلى أهداف تصبو أن تبلغها، إنها تشعر أن الجزائر تخصها، تنتمي إليها وتخاف عليها وتريدها أن تنتصر لتفرح بها ومعها.

كل مواطن، صغيرا كان أو كبيرا، لم يكن مجرد مناصر لفريقه ولا مجرد متفرج على مباراة في كرة القدم، إنما كان جزءا من ذلك الفريق ولاعبا بكل طاقات جسده وروحه، ينقل كل نقطة دم يملكها إلى شرايين أبطاله في الميدان.

تلك الشابة وذلك الشاب المتلاحم مع راية وطنه، المناصر لفريقه، لم يكن مخدرا أو في حالة لا وعي، إنما كان مدفوعا يشعوره الوطني ومتحفزا لرفع اسم الجزائر عاليا.. كان ذلك الشاب، الذي كانت الراية الوطنية ترفرف خفاقة بين يديه، في حالة وعي تجلت فيها وطنيته وحبه لبلاده وإصراره على أن يظل جزائري الهوى والانتماء، رغم معاناته من البطالة أو عدم إحساسه ب »أمومة« الدولة أو تذمره من مسؤوليه.. نعم، كانت تلك الأفراح رسالة واضحة لكل أولئك الذين يسعون لأن يطفئوا أنوار الفرح في هذه البلاد.

كانت فرحة الشعب بانتصارات فريقه في "كأس العرب"، تحمل جرعة كبيرة من التفاؤل ومن الثقة في النفس، لقد فجرت، مرة أخرى، ينبوع الوطنية، الذي تدفق كنهر جارف والتحمت روافده في مشاهد رائعة، عاشها الشعب بكل مشاعره، مواكبا انتصارات فريقه، الكل يهتز في نفس اللحظة عند تسجيل كل هدف، والكل يعتريه الصمت والذهول عند  اللحظات الحرجة. 

كانت الصورة عبارة عن سنفونية أبدعتها روح وطنية عالية وإحساس بالإنتماء لا يوصف، زادتها الدموع التي تفجرت من عيون الكل خاصة في لحظات انتزاع "الكأس"، التي لن ينالها إلا من هم أجدر بها وأكثر عشقا لها وأكثر إبداعا وعطاء من أجل الفوز بها.

وقد تحلى أبطال العرب بقدرات خارقة، جعلت من أعضاء الفريق طاقما يتكامل على أرضية الملعب، يؤدون أدوارهم المرسومة بروح عالية من الثقة والعزيمة وإرادة الانتصار، تماما كجنود جيشنا الباسل، المرابطين على الثغور، حماة لوحدة التراب والشعب وعينا ساهرة على أمن واستقرار وسيادة الوطن..  ذلك هو الدرس الذي ينبغي أن نتعلمه، لكي يخوض كل جزائري معارك حياته اليومية بنفس الكفاءة والحب، مادامت طاقة الفعل كامنة فينا ونملك أن نفجرها لبلوغ ما نصبو إليه من نهضة فكرية وعلمية واقتصادية.

ما أجمل تلك الأفراح التي ولدها أبطال "محاربو الصحراء"، وهي تكتسي أكثر من دلالة، لاسيما أنها جاءت في وقت تشتد فيه الحملات المسمومة على بلادنا وتتواصل الضربات على الشعب، حتى يفقد الثقة في نفسه وفي وطنه وفي حكامه وفي مستقبله هذا الشعب الذي وجد في تألق أبنائه، بذرة أمل جديدة، يريدها أن تزهر وتثمر وأن تمتد إلى مجالات أخرى أكثر أهمية وحيوية وديمومة، وكأنه يحلم أن يكون فريق كرة القدم واجهة من الواجهات  الأخرى التي ترمز إلى   الجزائر المنتصرة.

دروس كثيرة نتعلمها من مظاهر الابتهاج، التي غمرت الشارع الجزائري وهو يناصر فريقه ويفرح بفوزه، دروس ينبغي أن نتعلمها من كرة القدم ودورها في حياة شبابنا وكيف يمكن أن تتحول هذه اللعبة الجميلة إلى طاقة خلاقة تفجر ما هو كامن في النفوس، بما تشعه من فرح وسعادة لجموع أبناء الشعب بمختلف فئاته وأطيافه، من فقراء وأغنياء، من شباب وشيوخ، من نساء ورجال، من أهل القمة وأهل القاع، وقد التفوا جميعا حول راية بلادهم، يريدون لها أن تكون دائما شامخة في القلوب والضمائر والهمم والعطاء للوطن.

وهذا ما تؤكده مظاهر التلاحم الوطني، التي برزت من خلال عديد المشاهد، لعل من أهمها العلم الفلسطيني، الذي يخفق فوق الرؤوس، وسط الغابة الكثيفة من الأعلام الوطنية، تعبيرا عن المكون الآخر للهوية، في بعديها الوطني والقومي.  

أعرف أن الجزائر الواقفة والمنتصرة والقوية يجب أن ترتكز على العقول المفكرة والأيدي المنتجة والقيم التي تصون الأمة من الانكسار وتضمن لها التفوق والتميز في العلم والعمل والسياسة والديمقراطية.

وأدرك جيدا أن الجزائر لن تكون قوية فقط بالفنيات الكروية الجميلة والمشوقة لهذا اللاعب أو ذاك، وقد أبدعوا ومكنوا الجماهير من أن تفرح، ولهم جزيل الشكر وجميل العرفان.

 إننا بحاجة إلى جرعات من الأمل، من التفاؤل، من شحنة إضافية من الحب لبلادنا.. فدعونا نفرح ودعوا شبابنا يبتهج ولو بأفراحه في مباراة لكرة القدم.

 أول الكلام

"تحول كأس العرب إلى كأس فلسطين.."

--

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة